علي بن محمد البغدادي الماوردي
345
أدب الدنيا والدين
مرفوضا قصيا « 1 » والمنقطع عنهم وحشيا لزمه مساعدة زمانه في القضاء ومياسرة إخوانه في الصفح والإغضاء . روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن اللّه تعالى أمرني بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض » . وقال بعض الأدباء : ثلاث خصال لا تجتمع إلّا في كريم حسن المحضر واحتمال الزلة وقلة الملال . وقال ابن الرومي : فعذرك مبسوط لذنب مقدّم * وودّك مقبول بأهل ومرحب ولو بلّغتني عنك أذني أقمتها * لديّ مقام الكاشح « 2 » المتكذب فلست بتقليب اللسان مصارما * خليلا إذا ما القلب لم يتقلب وإذا كان الاغضاء حتما والصفح كرما ترتب بحسب الهفوة وتنزل بقدر الذنب . والهفوات نوعان : صغائر وكبائر . فالصغائر مغفورة والنفوس بها معذورة لأن الناس مع أطوارهم المختلفة وأخلاقهم المتفاضلة لا يسلمون منها فكان الوجد فيها مطرحا والعتب مستقبحا . وقد قال بعض العلماء : من هجر أخاه من غير ذنب كان كمن زرع زرعا ثم حصده في غير أوانه . وقال أبو العتاهية : وشر الأخلاء من لم يزل * يعاتب طورا وطورا يذم يريك النصيحة عند اللقاء * ويبريك في السرّ بري القلم وأما الكبائر فنوعان أن يهفو بها خاطيا ويزل بها ساهيا فالحرج فيها مرفوع والعتب عليها موضوع لأن هفوة الخاطئ هدر ولومه هذر « 3 » . وقال بعض الحكماء : لا تقطع أخاك إلا بعد عجز الحيلة عن استصلاحه . وقال الأحنف بن قيس : حق الصديق أن تحمل له ثلاثا : ظلم الغضب وظلم الدالة وظلم الهفوة . وحكى ابن عون أن غلاما هاشميا عربد على قوم فأراد عمه أن يسيء به فقال يا عم : إني قد أسأت وليس معي عقلي فلا
--> ( 1 ) قصيا : بعيدا . ( 2 ) الكاشح : مضمر العداوة . ( 3 ) هذر : بفتحتين : عبث .